
العظام ليست هيكلًا جامدًا ننساه حتى يُكسر، بل نسيج حي يُهدم ويُبنى باستمرار طوال العمر. وفي الشباب يسبق البناء الهدم فتزداد كثافة العظام حتى تبلغ ذروتها في أواخر العشرينات أو بداية الثلاثينات تقريبًا، ثم تبدأ بالتراجع التدريجي، ويتسارع ذلك لدى النساء بعد انقطاع الطمث. ولهذا فإن ما تفعله اليوم هو في الحقيقة ودائع تضعها في حساب عظامك لتسحب منها بعد عقود. وفي هذا المقال نشرح كيف تحمي عظامك ومفاصلك بالغذاء والحركة ونمط الحياة، وما الأرقام المعتمدة للكالسيوم وفيتامين د، وكيف تتعامل مع خشونة المفاصل، ومتى تحتاج إلى فحص كثافة العظام.
كيف تتكون العظام وتتجدد، ولماذا تعد سنوات الشباب فرصة لا تتكرر؟
يتجدد الهيكل العظمي باستمرار عبر خلايا تهدم العظم القديم وأخرى تبني عظمًا جديدًا. وفي مرحلة الطفولة والمراهقة يتفوق البناء بوضوح، وتصل كتلة العظام إلى ذروتها حول نهاية العشرينات. وكلما كانت هذه الذروة أعلى كان لديك رصيد أكبر لتسحب منه لاحقًا، ولذلك تنفع الوقاية المبكرة أكثر من العلاج المتأخر.
وتتراجع كثافة العظام بعد ذلك ببطء، وتتسارع لدى النساء في السنوات الأولى بعد انقطاع الطمث بسبب انخفاض الإستروجين. وهشاشة العظام، أي نقص الكثافة الذي يرفع خطر الكسور، مرض صامت لا يعطي أعراضًا حتى يحدث كسر، وغالبًا في الورك أو العمود الفقري أو الرسغ. وهذا ما يجعل الوقاية والفحص المبكر أمرين مهمين لمن تتوافر لديهم عوامل خطر.
كم تحتاج من الكالسيوم وفيتامين د، وما أفضل مصادرهما؟
بحسب التوصيات الأمريكية المعتمدة، يحتاج البالغون بين التاسعة عشرة والخمسين نحو ألف ملّيغرام من الكالسيوم يوميًا، وكذلك الرجال حتى سن السبعين، بينما ترتفع الحاجة إلى ألف ومئتي ملّيغرام للنساء بعد الخمسين وللجنسين بعد الواحدة والسبعين. أما فيتامين د فالمستوى الموصى به ست مئة وحدة دولية يوميًا للبالغين حتى السبعين، وثماني مئة بعد ذلك.
وأفضل مصادر الكالسيوم هي الغذاء: الحليب واللبن والزبادي والجبن، والسردين والسلمون مع العظم، والخضار الورقية الداكنة، والبقوليات والطحينة واللوز والتين المجفف. وأما فيتامين د فتأتي أغلب كمياته من تعرض الجلد للشمس ومن الأسماك الدهنية والبيض والأغذية المدعّمة. وتجنب المبالغة في المكملات، فالحد الأعلى المأمون للكالسيوم نحو ألفين إلى ألفين وخمس مئة ملّيغرام يوميًا بحسب العمر، ولفيتامين د أربعة آلاف وحدة، وقد يسبب الإفراط حصى الكلى وارتفاع الكالسيوم في الدم. والأنسب أن تعرف مستواك بتحليل، ويحدد الطبيب الحاجة.
لماذا تعد الحركة وتمارين الحمل أقوى محفز لبناء العظام؟
العظم يستجيب للحمل الذي يتعرض له، فالضغط الميكانيكي المعتدل يحفز الخلايا البانية للعظم. ولهذا فإن التمارين التي تحمّل الجسم وزنه، كالمشي السريع والهرولة والرقص وصعود الدرج والتنس، وتمارين المقاومة بالأوزان أو الأشرطة المطاطية أو وزن الجسم، من أهم ما ينفع العظام. أما السباحة وركوب الدراجة فهما ممتازتان للقلب والمفاصل لكنهما أقل تحفيزًا للعظام.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بتمارين تقوية العضلات يومين أو أكثر أسبوعيًا، وهذه التمارين تحمي العظام والمفاصل وتحسّن التوازن وتقلل خطر السقوط عند التقدم في العمر. ولا تنتظر حتى تصبح كبيرًا في السن لتبدأ، فالتأثير تراكمي، لكن البدء متأخرًا أفضل من عدم البدء، فكبار السن يستفيدون أيضًا من التمارين المناسبة لحالتهم.
ما العادات التي تسرّع فقدان العظام وكيف تتجنبها؟
التدخين من العوامل التي تقلل كثافة العظام وتبطئ التئام الكسور، والإفراط في الكحول يضعف العظام ويزيد خطر السقوط. ومن العوامل أيضًا قلة الوزن الشديدة أو الحميات القاسية التي تحرم الجسم من الطاقة والبروتين والكالسيوم، وكذلك الإفراط في المشروبات الغازية على حساب الحليب في سن النمو. وتؤثر بعض الأدوية، كالكورتيزون طويل الأمد وبعض أدوية الصرع ومثبطات الحموضة المستمرة، فلا توقف أيًا منها دون استشارة الطبيب لكن ناقش معه حماية عظامك.
وتزيد بعض الأمراض الخطر، كالغدة الدرقية المفرطة النشاط وأمراض الجهاز الهضمي المعطلة للامتصاص والسكري وأمراض الكلى. والتعرض غير الكافي للشمس بسبب نمط الحياة المغلق وارتداء ملابس تغطي الجسم، يجعل نقص فيتامين د شائعًا في مناطق كثيرة، وعلاجه بسيط حين يُكتشف.
كيف تعتني بمفاصلك وتتعامل مع الخشونة والآلام دون أن تتوقف عن الحركة؟
خشونة المفاصل، وهي تآكل الغضروف الذي يغطي طرف العظم، من أكثر أسباب آلام الركبة والورك واليد شيوعًا مع التقدم في العمر. وخلافًا للاعتقاد الشائع، لا تعالج الراحة التامة الخشونة، فالحركة المنتظمة وتقوية العضلات المحيطة بالمفصل تخفف الألم وتحسن الوظيفة. وعلى سبيل المثال، فإن تقوية عضلات الفخذ تخفف الحمل عن الركبة.
وأهم عامل قابل للتعديل هو الوزن، فتشير الدراسات إلى أن كل كيلوغرام زائد يزيد الحمل على الركبتين بما يقارب أربعة أضعافه عند المشي، وإنقاص الوزن لمن يعاني من زيادته يخفف الألم بصورة ملحوظة. وتفيد الكمادات الدافئة والتمارين اللطيفة كالسباحة والمشي على أرض مستوية والتمدد. واختر حذاءً مريحًا، وتجنب القرفصاء العميقة المتكررة والجلوس الأرضي الطويل لمن يعاني من ألم الركبة. وراجع الطبيب إن كان الألم مصحوبًا بتورم وسخونة وتيبس صباحي يطول لأكثر من نصف ساعة، فقد يكون التهاب مفاصل لا خشونة.
كيف تتجنب السقوط وتعرف متى تحتاج إلى فحص كثافة العظام؟
السقوط هو السبب الأكثر شيوعًا للكسور عند كبار السن، ويمكن تقليله بإجراءات بسيطة: تحسين الإضاءة، وإزالة السجاد المنزلق والأسلاك، وتركيب مقابض في الحمام، وارتداء أحذية ثابتة، وفحص النظر دوريًا، ومراجعة الأدوية التي تسبب الدوخة. وتمارين التوازن كالوقوف على ساق واحدة بالقرب من حائط أو اليوغا أو التاي تشي تقلل خطر السقوط.
أما فحص كثافة العظام بجهاز الأشعة المعروف اختصارًا «ديكسا»، فتوصي الإرشادات الأمريكية ببدئه للنساء من سن الخامسة والستين، وللنساء الأصغر اللاتي لديهن عوامل خطر مرتفعة. وقد يناقش الطبيب الفحص كذلك مع الرجال الذين لديهم عوامل خطر قوية. ومن عوامل الخطر: كسر سابق بعد سن الخمسين، وتاريخ عائلي لكسر الورك، والتدخين، وانخفاض الوزن، واستعمال الكورتيزون، وانقطاع الطمث المبكر. وإن كنت من هؤلاء فتحدث مع طبيبك عن الفحص مبكرًا.
أسئلة شائعة عن صحة العظام والمفاصل
هل تفرقع المفاصل علامة على الخشونة؟
في الغالب لا. فالفرقعة الصادرة دون ألم أو تورم تنتج عادة عن فقاعات غازية في السائل المحيط بالمفصل أو عن حركة الأوتار، ولا تدل على تلف. أما إن اقترنت بألم أو تورم أو تيبس فراجع الطبيب.
هل مكملات الجلوكوزامين والكولاجين مفيدة للمفاصل؟
الأدلة على فائدتها متفاوتة وضعيفة في الغالب، وقد يلاحظ بعض الناس تحسنًا محدودًا. وهي ليست بديلًا عن التمارين وخفض الوزن، وقد تتفاعل بعض المكملات مع أدوية سيولة الدم، فاسأل الطبيب أو الصيدلي أولًا.
هل يجب أن أتجنب التمارين إذا كان عندي خشونة؟
لا، بل عادة ما ينصح الأطباء بالنشاط المنتظم المناسب. وينبغي اختيار التمارين التي لا تزيد الألم، وهذا المقال معلومات عامة، فإن كنت مصابًا بحالة تقتضي إشرافًا فاستشر الطبيب أو أخصائي العلاج الطبيعي.
0 تعليقات