
تجلس ثماني ساعات أمام شاشة، وتشعر بأن رقبتك تتقدم إلى الأمام كأنها تلاحق الكلمات، وبأن أسفل ظهرك يحتج بصوت خافت يعلو مع المساء. والخبر المطمئن أن آلام الظهر والرقبة المرتبطة بالعمل المكتبي في الغالب ليست دليلًا على مرض خطير، بل على جسم يُستعمل بطريقة لم يُصمم لها: ثابتًا في وضعية واحدة ساعات طويلة. وأهم ما يحميك ليس كرسيًا باهظ الثمن ولا وضعية «مثالية» تحاول الثبات عليها، بل مزيج من محطة عمل مضبوطة وحركة متكررة وعضلات قوية. وفي هذا المقال نشرح أسباب الألم، ونعدّل مكتبك، ونعرض تمارين يمكنك أداؤها في مكانك، ونوضح متى تكون الأعراض إنذارًا يستدعي الطبيب.
لماذا يؤلم الجلوس الطويل ظهرك ورقبتك حتى حين تجلس «بشكل صحيح»؟
لا توجد وضعية جلوس سليمة إذا ثبتّ عليها ساعات. فالعضلات والأربطة والأقراص بين الفقرات تحتاج إلى تغيير الحمل والحركة لتتغذى وتتحرر من الشد، والبقاء في وضع واحد، حتى لو كان جيدًا، يجهد الأنسجة نفسها باستمرار. كما أن الجلوس الطويل يضعف عضلات الجذع والأرداف التي تدعم العمود الفقري، فيقع العبء على أنسجة لا تتحمله.
وتضيف الشاشة والهاتف عاملًا آخر هو انحناء الرأس إلى الأمام، فكلما مال الرأس زاد الحمل على عضلات الرقبة والكتفين زيادة كبيرة، ومع الاستمرار تتشنج العضلات وتظهر الآلام وربما الصداع. وللتوتر النفسي دور أيضًا، فكثير منا يرفع كتفيه ويشد فكيه دون وعي أثناء الضغط. لذلك فالحل متعدد الأبعاد: تعديل البيئة، وكسر الجلوس، وتقوية العضلات، وتخفيف الشد.
كيف تضبط مكتبك وكرسيك وشاشتك لتقليل الإجهاد على عمودك الفقري؟
اضبط الشاشة بحيث يكون الحافة العلوية قرب مستوى عينيك أو أدنى منه قليلًا، وعلى بعد طول ذراع تقريبًا، فلا ترفع رقبتك ولا تنحني لتقرأ. وإذا كنت تعمل على حاسوب محمول فاستعمل حاملًا يرفع الشاشة ولوحة مفاتيح وفأرة منفصلتين، لأن الشاشة المرتفعة مع لوحة مفاتيح قريبة هي الحل الوحيد لضبط الرقبة واليدين معًا.
واجلس بحيث تلامس قدماك الأرض أو مسندًا للقدمين، وتكون الركبتان قريبتين من مستوى الوركين أو أدنى قليلًا، ويدعم ظهر الكرسي المنحنى الطبيعي لأسفل الظهر، ويمكن استعمال وسادة صغيرة إذا لزم. ودع المرفقين قريبين من الجسم بزاوية مريحة قرب تسعين درجة، والمعصمين مستقيمين. وإذا كنت تتحدث كثيرًا بالهاتف فاستعمل سماعة بدل أن تسند الهاتف بين كتفك وأذنك. وتذكر أن أفضل ضبط هو الذي يسمح لك بتغيير وضعيتك بسهولة.
ما قاعدة الحركة التي تكسر الجلوس الطويل دون أن تعطل عملك؟
بدل أن تبحث عن وضعية جلوس مثالية، اجعل القاعدة أن تغيّر وضعيتك كل نصف ساعة تقريبًا. قف دقيقة أو دقيقتين، أو امشِ إلى كوب الماء، أو أجرِ مكالمتك واقفًا، أو اعقد اجتماعًا قصيرًا أثناء المشي. وهناك مكاتب تتيح الوقوف والجلوس بالتناوب، وهي مفيدة إن غيّرت بها الوضعية باستمرار، لكن الوقوف الثابت الطويل مجهد أيضًا ولا يحل المشكلة وحده.
وتشير الإرشادات الصحية العامة، ومنها توصيات منظمة الصحة العالمية للحد من السلوك الخامل، إلى أن تقليل الجلوس المطول وإدخال حركة خفيفة خلال اليوم يفيدان الصحة العامة. ولمساعدتك على الالتزام ضع منبهًا هادئًا على هاتفك أو ساعتك، أو استعمل أحد التطبيقات المجانية التي تذكرك بالحركة. والتغيير الصغير المتكرر أفضل من تمرين مطول مرة واحدة في نهاية اليوم.
ما التمارين البسيطة التي تخفف شد الرقبة والكتفين وتقوي أسفل الظهر؟
للرقبة، جرّب تمرين «سحب الذقن»: اجلس معتدلًا واسحب ذقنك إلى الخلف كأنك تصنع «ذقنًا مزدوجة» دون خفض الرأس، ثبّت ثلاث ثوانٍ وكرر عشر مرات. ومن التمدد الجيد إمالة الأذن نحو الكتف بلطف مع إرخاء الكتف المقابل وثبات عشرين ثانية لكل جهة. وللكتفين، ضم لوحي الكتف معًا كأنك تمسك قلمًا بينهما، وثبت ثلاث ثوانٍ، ثم أرخِ، وكرر عشر مرات.
ولأسفل الظهر والجذع، يفيد تمرين «القطة والجمل» على اليدين والركبتين بتقويس الظهر لأعلى ثم خفضه بلطف ببطء، وتمرين «الجسر» بالاستلقاء على الظهر ورفع الأرداف مع شد عضلات الأرداف، وتمرين «الطائر والكلب» بمد ذراع وساق متقابلتين مع ثبات الجذع. ويكفي أداء هذه التمارين ثلاث مرات في الأسبوع على الأقل. وإذا أحسست بألم حاد أو تنميل أثناء تمرين ما فتوقف عنه واستشر مختصًا، فالتمارين ينبغي أن تُحدث شدًا مريحًا لا ألمًا.
كيف تتعامل مع نوبة ألم الظهر الحادة في أيامها الأولى؟
تتحسن معظم نوبات الألم الحاد في أسفل الظهر خلال أسابيع قليلة، ومن أهم النصائح الحديثة أن تبقى نشطًا قدر ما تحتمل بدل الراحة الطويلة في السرير. فالبقاء في السرير أيامًا يضعف العضلات ويبطئ التعافي. امشِ خطوات قصيرة، وغيّر وضعيتك، وعد إلى نشاطك تدريجيًا، وتجنب رفع الأحمال الثقيلة والانحناء الحاد في الأيام الأولى.
وقد تفيد الكمادات الدافئة في تخفيف الشد العضلي، وتناول مسكن بسيط وفق إرشادات الصيدلي أو الطبيب إن لم يكن لديك موانع، لكن لا تعتمد على المسكنات المستمرة لأسابيع ولا تستعمل الأدوية بجرعات أعلى من المعلن. وإن لم يتحسن الألم خلال أسابيع قليلة، أو كان يتكرر باستمرار، فراجع الطبيب أو أخصائي العلاج الطبيعي لتقييم الحالة ووضع برنامج مناسب لك.
ما علامات الخطر التي تعني أن الألم ليس ألمًا عضليًا عاديًا؟
راجع الطبيب فورًا أو اذهب إلى الطوارئ إذا ترافق ألم الظهر مع ضعف مفاجئ في إحدى الساقين، أو تنميل في منطقة ما بين الفخذين والأرداف، أو فقدان السيطرة على البول أو البراز، فهذه علامات قد تدل على ضغط على أعصاب العمود الفقري وتتطلب تدخلًا عاجلًا. وكذلك إذا جاء الألم بعد حادث أو سقوط، أو ترافق مع حمى وقشعريرة، أو مع فقدان وزن غير مفسر، أو كان أشد في الليل ولا يخف بتغيير الوضعية، أو ظهر لدى من لديه تاريخ مرض سرطاني أو هشاشة عظام شديدة.
وفي الرقبة، إذا ترافق الألم مع تنميل أو ضعف في الذراع، أو صداع شديد مفاجئ غير معتاد، أو تيبس شديد في الرقبة مع حمى، فاطلب الرعاية الطبية بسرعة. أما الألم الذي يمتد إلى الساق تحت الركبة مع تنميل مستمر فيستحق تقييمًا طبيًا ولو لم يكن عاجلًا. واعلم أن الغالبية العظمى من الحالات لا تكون خطيرة، لكن معرفة هذه العلامات تعفيك من التأخر حين تكون الحاجة ملحّة.
أسئلة شائعة عن آلام الظهر والرقبة في العمل المكتبي
هل يعالج الكرسي الطبي المكلف آلام الظهر؟
لا يوجد كرسي يعالجها وحده. فالكرسي الجيد القابل للتعديل يساعد، لكن فائدته تضيع إن جلست عليه ثماني ساعات دون حركة. والأولوية للحركة المنتظمة وتقوية عضلات الجذع وضبط الشاشة.
هل وسادة الرقبة تحل مشكلة الألم الصباحي؟
قد تساعد إن كانت الوسادة مرتفعة جدًا أو منخفضة جدًا بالنسبة لك، والأفضل أن تُبقي الرقبة في وضع محايد مع العمود الفقري أثناء النوم. وإن استمر ألم الرقبة الصباحي رغم تعديل الوسادة فراجع الطبيب.
كم من الوقت أحتاج لأرى تحسنًا بعد التمارين؟
يلاحظ كثيرون تحسنًا في الشد خلال أسبوعين إلى أربعة من الانتظام، بينما تحتاج تقوية العضلات إلى بضعة أسابيع أطول. وهذا المقال معلومات عامة ولا يغني عن تقييم متخصص إن كانت لديك أعراض مستمرة.
0 تعليقات