
علبة صغيرة براقة تعدك بتركيز وطاقة وسهر بلا تعب، تُشترى من أي بقالة بثمن زهيد، ويحملها طلاب الجامعة والسائقون والرياضيون وحتى مراهقون لم يبلغوا السادسة عشرة. وبين ما يعلنه الغلاف وما يحدث داخل الجسم فجوة لا يراها المستهلك: كميات كافيين قد تتجاوز ما في فنجانين من القهوة، وسكر قد يبلغ حصة اليوم كلها أو بدائل سكرية، ومواد أخرى تتفاوت الأدلة حول تأثيرها. وفي المقابل، لا تخلو المشروبات الغازية العادية من مشكلات خاصة بها. وفي هذا المقال نفصل ما الذي تحتويه هذه المشروبات فعلًا، وما الحدود التي وضعتها الجهات الغذائية للكافيين، وأي الفئات أكثر عرضة للضرر، وكيف تبني بدائل تعطيك طاقة حقيقية.
ما الذي تحتويه علبة مشروب الطاقة والمشروب الغازي فعلًا؟
يحتوي مشروب الطاقة عادة على الكافيين والسكر أو محليات صناعية، إضافة إلى مواد مثل التورين والفيتامينات ومستخلصات نباتية. وتبلغ كمية الكافيين في علبة سعة مئتين وخمسين مليلترًا نحو ثمانين ملّيغرامًا في المتوسط، وتصل في بعض المنتجات الأكبر حجمًا والمركزات إلى أضعاف ذلك، فعلبة سعة نصف لتر قد تقارب ما يعادل كوبين من القهوة. وفي الاتحاد الأوروبي يُلزَم المنتج الذي يتجاوز مئة وخمسين ملّيغرامًا من الكافيين في اللتر بعبارة تنبّه إلى ارتفاع محتواه.
أما السكر فقد تحتوي العلبة الصغيرة على ما يزيد عن عشرين غرامًا منه، وتحتوي العلب الكبيرة على أكثر، وقد شرحنا في مقال السكر المخفي أن الحد اليومي الموصى به نحو خمسين غرامًا. والمشروب الغازي العادي يحمل هو الآخر عشرات الغرامات من السكر في العلبة الواحدة، إضافة إلى أحماض مثل حمض الفوسفوريك وحمض الستريك التي تؤثر في الأسنان. وفي الأنواع «الخالية من السكر» تحل المحليات محل السكر، وتبقى الحموضة والكافيين في بعضها.
كم الحد الآمن للكافيين، وكيف تعرف أنك تجاوزته؟
حددت هيئة سلامة الغذاء الأوروبية جرعات الكافيين التي لا تثير القلق لدى البالغين الأصحاء بنحو مئتي ملّيغرام في الجرعة الواحدة وأربع مئة ملّيغرام في اليوم من جميع المصادر، وبمئتي ملّيغرام يوميًا للحوامل والمرضعات. وللأطفال والمراهقين اقترحت الهيئة ألا يزيد المتناول على ثلاثة ملّيغرامات لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا. وتتفاوت الحساسية من شخص لآخر، فقد يحس بعضهم بالأعراض بجرعات أقل بكثير.
وتشمل علامات الإفراط الخفقان وسرعة ضربات القلب والعصبية والرعشة والأرق والصداع واضطراب المعدة. أما الجرعات الكبيرة جدًا في وقت قصير، التي تتجاوز بمئات الملّيغرامات حدود الجرعة الواحدة، فقد تسبب أعراضًا خطيرة كاضطراب نظم القلب والتشنجات، وتحتاج إلى رعاية طبية عاجلة. فاحسب مجموع ما تتناوله من قهوة وشاي وشوكولاتة ومشروبات الطاقة والمشروبات الغازية الحاوية للكافيين، ولا تحسب مشروب الطاقة وحده.
ما تأثير هذه المشروبات في القلب والضغط والنوم والمزاج؟
أظهرت دراسات رصدتها جهات أوروبية أن تناول جرعة من مشروب الطاقة قد يرفع ضغط الدم مؤقتًا ويغيّر نظم القلب لدى بعض الأصحاء، خصوصًا الشباب، وأن المراهقين قد يتأثرون بجرعات أقل من البالغين. ويحذر المختصون من أن الإفراط في هذه المشروبات قد يسبب أعراضًا عند من لديهم مشكلات قلبية كامنة لا يعرفونها، وخصوصًا مع المجهود البدني الشديد.
وللكافيين أثره في النوم لأن نصف عمره في الجسم نحو خمس ساعات، فمشروب في العصر يبقى جزء منه في دمك ليلًا، وقد يضعف عمق النوم ويقصر مدته حتى لو نمت بسرعة. ومع قلة النوم تزداد الحاجة إلى مزيد من المنبهات، فتدخل في حلقة مفرغة من الإرهاق والتنبيه. ويضاف إلى ذلك القلق والتوتر وسرعة الانفعال لدى بعض الناس عند الإفراط، والصداع الانسحابي عند التوقف المفاجئ عند من اعتادوا الجرعات العالية.
لماذا يعد خلط مشروبات الطاقة بالمجهود الرياضي أو الكحول أو الأدوية فكرة سيئة؟
مع الرياضة الشديدة والعرق والحر يزداد جهد القلب وفقدان السوائل، وإضافة جرعة كبيرة من المنبهات قد تضاعف العبء وتزيد الخفقان والجفاف. وفي الرياضات التنافسية أو الجري الطويل، الأفضل ماء ومحلول ملحي ووجبة مناسبة قبل التمرين، لا مشروب طاقة. أما خلطها بالكحول فهو خطير لأن المنبه قد يخفي إحساسك بدرجة السكر والتأثر بالكحول، فيدفعك إلى الإكثار منه والإقدام على سلوكيات خطرة.
وهناك تداخلات مع بعض الأدوية، كمنبهات ADHD وبعض أدوية القلب والاكتئاب، فإن كنت تتناول دواءً مزمنًا فاسأل الطبيب أو الصيدلي عن مدى ملاءمة الكافيين لك. وتجنب إعطاء هذه المشروبات للأطفال والمراهقين، فهم أقل قدرة على تحمل المنبهات وأعراضها أشد. وتفرض بعض الدول قيودًا على بيع مشروبات الطاقة للأطفال، وتفرض المملكة ضرائب انتقائية مرتفعة على مشروبات الطاقة والمشروبات الغازية لخفض استهلاكها.
كيف تؤثر المشروبات الغازية على الأسنان والوزن وصحة الأيض؟
المشروب الغازي يهاجم الأسنان من جهتين: السكر الذي تتغذى عليه بكتيريا الفم فتنتج أحماضًا، والحموضة الذاتية التي تُذيب المينا مباشرة حتى في الأنواع الخالية من السكر. ولذلك فالرشف المتواصل منها على مدار اليوم أسوأ من شربها دفعة واحدة مع الوجبة. واستعمال المصاصة وشطف الفم بالماء بعد الشرب يخففان الضرر.
وبالنسبة للوزن، تُشرب السعرات السائلة بسرعة ولا تعطي شبعًا مماثلًا للطعام، فيزيد مجموع ما تتناوله يوميًا. وتربط الدراسات الرصدية الإفراط في المشروبات المحلاة بزيادة الوزن والسكري من النوع الثاني وأمراض القلب، وإن كانت هذه الدراسات تظهر ارتباطًا وليس سببية قاطعة. ومن ثم فإن إعادة الماء إلى مكانه كمشروب أساسي من أكثر التغييرات فائدة وأبسطها.
ما البدائل التي تمنحك طاقة وتركيزًا بلا أضرار؟
الطاقة المستدامة تأتي من الأساسيات: نوم كافٍ، ووجبات متوازنة تحتوي على بروتين وألياف، وماء كافٍ، وحركة منتظمة، وضوء نهار. فإذا كنت تلجأ إلى مشروب الطاقة لأنك لا تنام جيدًا، فعالج النوم قبل أي شيء، وقد خصصنا له مقالًا. وجرب فنجان قهوة أو شاي في الصباح بدل العلب، وهو يعطي كافيين بكمية معلومة ومحدودة.
وتساعد استراحات قصيرة وتمشيّة عشر دقائق وكوب ماء بارد وحفنة مكسرات وفاكهة في استعادة التركيز عند التراجع. وإن كنت تعتمد على المنبهات بكثرة لأنك تحس بتعب مزمن لا يزول، فاستشر الطبيب، فقد يكون وراءه سبب صحي كفقر الدم أو اضطراب الغدة الدرقية أو انقطاع النفس أثناء النوم. ولا تتوقف فجأة إن كنت تتناول كميات كبيرة، بل قلل تدريجيًا لتخفيف الصداع الانسحابي.
أسئلة شائعة عن مشروبات الطاقة والغازية
هل المشروبات الغازية «الدايت» بديل آمن؟
هي أقل سعرات وسكرًا، لكنها ما زالت تحتوي على حموضة تؤثر في الأسنان ومحليات تتحفظ منظمة الصحة العالمية على استعمالها للتحكم بالوزن. فهي خيار أقل سوءًا من المحلى بالسكر، وليست بديلًا مثاليًا عن الماء.
هل مشروبات الطاقة تنفع قبل الاختبارات والسهر للمذاكرة؟
قد تعطي يقظة قصيرة، لكنها تفسد النوم الذي يثبّت المعلومات في الذاكرة، وقد تزيد القلق وتشتت الانتباه. والنوم الكافي قبل الاختبار أنفع للأداء من أي علبة.
متى أراجع الطبيب بسبب هذه المشروبات؟
إذا أحسست بخفقان شديد أو ألم في الصدر أو إغماء أو رعشة قوية بعد تناولها، أو كنت لا تستطيع التوقف عنها رغم أضرارها. وهذا المقال معلومات عامة ولا يغني عن التقييم الطبي.
0 تعليقات