
في خزانة كل بيت تقريبًا علبة مسكن وبقايا مضاد حيوي من مرض سابق، وفي ذهن كثيرين قاعدة غير مكتوبة: «الدواء الذي نفعني أو نفع جاري سينفعني الآن». وهذه القاعدة هي من أخطر ما يسهم في أضرار صحية يمكن تجنبها: نزيف في المعدة بسبب مسكن، أو فشل كلوي مع الاستعمال الطويل، أو تسمم كبدي من تكرار الجرعات المخبأة في أدوية الزكام المركبة، أو بكتيريا لم تعد تستجيب للعلاج لأنها اعتادت المضادات الحيوية. وفي هذا المقال نشرح لماذا لا تُعد هذه الأدوية «بسيطة»، وكيف تستخدم المسكنات المتاحة دون وصفة بطريقة آمنة، ولماذا تعد المضادات الحيوية من الأدوية التي لا تُصرف إلا بوصفة، وما الذي ينبغي أن تفعله بدل ذلك.
لماذا لا تعد الأدوية المتاحة دون وصفة بالضرورة آمنة لكل إنسان؟
الأدوية المتاحة بلا وصفة تُصنَّف كذلك لأنها آمنة نسبيًا حين تُستعمل وفق النشرة وللفترة المحددة ولدى من لا توجد لديه موانع. لكنها تظل أدوية لها آثار جانبية وتداخلات. فالمسكن نفسه قد يكون مناسبًا لشخص وخطرًا على آخر، بحسب العمر والحمل وأمراض الكلى والكبد والمعدة والقلب وبقية الأدوية التي يتناولها.
وتزيد المشكلة حين يتناول الشخص أكثر من دواء دون أن يعلم أن مكوناتها متكررة، كأن يأخذ دواء زكام وحبة مسكن ثالثة تحتويان على المادة الفعالة نفسها، فيتجاوز الحد المأمون. ولذلك فإن أفضل عادة تتعلمها أن تقرأ المادة الفعالة على العلبة وليس الاسم التجاري، وأن تسأل الصيدلي دائمًا عن الأدوية الأخرى التي تتناولها قبل شراء أي جديد.
كيف تستخدم مسكنات الألم الشائعة بأمان وما أخطار الإفراط فيها؟
تنقسم المسكنات الشائعة إلى مجموعتين رئيسيتين. الأولى مضادات الالتهاب غير الستيرويدية، كالإيبوبروفين والديكلوفيناك والأسبرين والنابروكسين، وقد تسبب تهيج المعدة وقرحة ونزيفًا، وتضر الكلى لدى بعض الناس، وقد ترفع ضغط الدم وتزيد خطر القلب مع الاستعمال المطول أو بجرعات عالية. ولا يُنصح بها لمن لديه قرحة أو أمراض كلى أو قصور قلب، أو يتناول مميعات الدم، وللحوامل خاصة في الأشهر الأخيرة إلا بإشراف الطبيب.
والثانية الباراسيتامول، وهو أقل تأثيرًا في المعدة لكنه يسبب تسممًا كبديًا خطيرًا إذا تجاوزت الجرعة المسموحة، ومنه ما هو مخبأ في أدوية البرد والصداع المركبة، ويزداد الخطر مع الكحول وأمراض الكبد. ولا نذكر هنا جرعات محددة لأن المأمون منها يختلف باختلاف العمر والوزن والحالة الصحية، فالتزم بما في النشرة وبتوجيه الصيدلي أو الطبيب، ولا تعطِ طفلًا دواءً بجرعة تخمّنها، بل اتبع تعليمات المنتج واسأل الصيدلي أو طبيب الأطفال. وتناول المسكن مع الطعام ولأقصر مدة ممكنة.
ما «صداع الإفراط في المسكنات»، ولماذا قد يتحول العلاج إلى سبب للمشكلة؟
من الظواهر المعروفة أن الإفراط في تناول المسكنات لعلاج الصداع المتكرر قد يسبب صداعًا مزمنًا جديدًا يسمى صداع الإفراط في استعمال الأدوية. وتشير الإرشادات الطبية إلى أن استخدام المسكنات عدة أيام في الشهر بصورة منتظمة يزيد خطره، فيدخل المريض حلقة يعالج فيها الصداع بدواء يسبب مزيدًا من الصداع.
وإذا وجدت أنك تتناول المسكن أكثر من يومين أو ثلاثة أسبوعيًا بانتظام لعلاج صداع أو ألم متكرر، فقد حان وقت مراجعة الطبيب لمعرفة السبب الحقيقي ووضع خطة وقائية وعلاجية. وكذلك لا ينبغي أن يستمر الألم المجهول السبب أسابيع بلا تشخيص، فالمسكن يخفي الإشارة ولا يعالج المصدر. ويحتاج الألم المصحوب بأعراض إنذار، كحمى أو فقدان وزن أو ضعف أو اضطراب بصر، إلى تقييم سريع.
لماذا لا تعالج المضادات الحيوية نزلات البرد والإنفلونزا، وماذا تفعل إذا تناولتها دون حاجة؟
المضادات الحيوية تقتل البكتيريا أو توقف نموها، ولا تؤثر في الفيروسات التي تسبب معظم نزلات البرد والإنفلونزا والتهابات الحلق وكثيرًا من حالات السعال والإسهال. فتناولها في هذه الحالات لا يسرّع الشفاء، ويعرّضك لآثارها الجانبية كالإسهال والحساسية واضطراب الجهاز الهضمي، ويقتل البكتيريا النافعة في جسمك فتفسح المجال لأنواع أخرى.
والأخطر أن كل استعمال غير ضروري يعطي البكتيريا فرصة لتتكيف وتصبح مقاومة، فلا يعود الدواء ينفع حين تحتاج إليه حقًا. وتعد منظمة الصحة العالمية مقاومة المضادات الحيوية من أكبر التهديدات الصحية العالمية. فإذا كنت قد تناولت مضادًا دون حاجة فلا داعي للذعر، لكن أخبر الطبيب في أقرب فرصة وتجنب تكراره. وإن وصف لك الطبيب مضادًا فاتبع الجرعة والمدة التي حددها، ولا تقطعها حين تتحسن من تلقاء نفسك ولا تستمر بعد المدة، ولا تحتفظ بالبقايا لتستعملها في مرض آخر.
ما الذي ينص عليه النظام في المملكة بشأن صرف المضادات الحيوية والأدوية المقيدة؟
تؤكد وزارة الصحة السعودية أن صرف الأدوية المقيدة، ومنها المضادات الحيوية وأدوية إنقاص الوزن بالحقن، دون وصفة طبية معتمدة من طبيب مرخّص يُعد مخالفة لنظام مزاولة المهن الصحية، وأنها تنفذ حملات رقابية على الصيدليات. وقد أعلنت الوزارة سابقًا أن العقوبات النظامية على المخالفين تشمل غرامة تصل إلى مئة ألف ريال وإلغاء الترخيص والسجن مدة قد تصل إلى ستة أشهر.
والهدف من ذلك حماية المريض والمجتمع من آثار الاستعمال العشوائي، وليس تعقيد الحصول على العلاج. فإذا طلب منك أحد الصيادلة وصفة فلا تبحث عن صيدلية «متساهلة»، بل أجرِ استشارة قصيرة مع طبيب، أو استخدم خدمات الاستشارة الطبية المتاحة. أما في البلدان الأخرى فالأنظمة متفاوتة، لكن القاعدة الصحية واحدة: لا تتناول مضادًا حيويًا دون تشخيص.
متى تكون المسكنات والمضادات الحيوية مبررة، وما البدائل الآمنة للمشكلات البسيطة؟
في الألم الخفيف إلى المتوسط، قد تكفي إجراءات بسيطة كالراحة والكمادات الدافئة أو الباردة بحسب الحالة والتمدد اللطيف وتغيير الوضعية، ويمكن استعمال مسكن مناسب لفترة قصيرة إن لم تكن لديك موانع. وفي نزلات البرد، تفيد الراحة والسوائل وغرغرة الماء الدافئ وتنظيف الأنف بالمحلول الملحي، والمهدئات الأعراضية عند الحاجة وبحسب نصيحة الصيدلي، مع الانتباه إلى أن أدوية البرد المركبة ليست آمنة للجميع وقد تكون غير مناسبة للصغار.
وتراجع الطبيب إذا استمرت الحمى أكثر من ثلاثة أيام، أو اشتد الألم، أو ظهرت علامات تستدعي الفحص كصعوبة التنفس أو ألم الصدر أو الارتباك أو الطفح مع الحمى أو الجفاف أو وجود الدم في البول أو البراز. وهنا قد يقرر الطبيب أن العدوى بكتيرية فعلًا ويصف مضادًا مناسبًا بجرعة ومدة محددتين، وهذه هي الحالات التي يصبح فيها المضاد الحيوي منقذًا للحياة.
أسئلة شائعة عن المسكنات والمضادات الحيوية
هل أستطيع استخدام بقايا مضاد حيوي من مرض سابق إذا ظهرت أعراض مشابهة؟
لا. فقد لا يكون المرض الجديد بكتيريًا أصلًا، وقد لا تكون البكتيريا حساسة للدواء نفسه، والكمية المتبقية لا تكفي عادة لعلاج كامل، وتناول جرعة ناقصة هو الطريق الأسرع لتشكيل مقاومة. تخلص من الباقي بحسب إرشادات الصيدلية.
هل المسكنات آمنة أثناء الحمل والرضاعة؟
يختلف الأمر بحسب الدواء وشهر الحمل، فبعض المسكنات، وخاصة مضادات الالتهاب غير الستيرويدية، يُتجنب استخدامها في فترات معينة من الحمل. استشيري الطبيب أو الصيدلي قبل أي دواء حتى لو كان بلا وصفة.
ماذا أفعل إذا تناولت جرعة زائدة بالخطأ؟
اتصل فورًا بمركز السموم أو الإسعاف أو توجه إلى الطوارئ حتى لو لم تظهر أعراض، فبعض أنواع التسمم، كالباراسيتامول، لا تظهر أعراضه الخطيرة إلا بعد ساعات. وهذا المقال معلومات عامة ولا يغني عن استشارة الطبيب أو الصيدلي.
0 تعليقات