يعاني كثير من الناس من ألم الأسنان في ساعة متأخرة من الليل، ثم يكتشفون أن الأمر بدأ قبل أشهر أو سنوات بتسوس صغير لم يشعروا به، وأن علاجه حينها كان سيستغرق دقائق ويكلف قليلًا. والحقيقة أن أمراض الفم الشائعة، كالتسوس والتهاب اللثة، من أكثر الأمراض التي يمكن الوقاية منها تقريبًا بالكامل بعادات يومية بسيطة. والمفاجأة أن هذه العادات لا تتعلق بنوع معجون ثمين ولا بفرشاة كهربائية فاخرة، بل بحسن استعمال ما تملكه ومداومتك عليه. وفي هذا المقال نشرح كيف يحدث التسوس ومرض اللثة، وكيف تنظف أسنانك بالطريقة الصحيحة، وما دور السكر والمشروبات الحمضية، ومتى تزور طبيب الأسنان، وما الأخطاء التي تتجنبها.

كيف يحدث التسوس والتهاب اللثة، ولماذا يبدآن دون ألم في الغالب؟

يتكون على أسنانك طوال الوقت غشاء لزج من البكتيريا يسمى اللويحة، وعندما تتناول السكريات والنشويات تتغذى هذه البكتيريا عليها وتنتج أحماضًا تذيب المعادن من مينا السن شيئًا فشيئًا، فتتكون التجاويف. وتبدأ العملية بنقطة بيضاء باهتة لا تسبب أي ألم، ولا تتحول إلى ألم إلا حين يصل التسوس إلى الطبقات العميقة القريبة من العصب، وحينها يكون العلاج أصعب وأكثر كلفة.

أما اللويحة المتراكمة قرب خط اللثة فتسبب التهابًا يسمى التهاب اللثة، وعلاماته احمرار وانتفاخ ونزيف عند التنظيف وربما رائحة فم مستمرة. وإن أُهمل تحول إلى التهاب دواعم السن الذي يتلف العظم المحيط بالسن، وقد يؤدي إلى ارتخائه وفقدانه. والخبر الجيد أن التهاب اللثة في مرحلته الأولى قابل للعلاج الكامل بتنظيف جيد، ولذلك فالنزيف عند التفريش ليس سببًا لتجنب التنظيف بل لتحسينه.

ما الطريقة الصحيحة للتنظيف بالفرشاة والخيط، ومدى أهمية معجون الفلورايد؟

تتفق الجهات المتخصصة في طب الأسنان على أن تفرش أسنانك مرتين يوميًا لمدة دقيقتين، بمعجون يحتوي على الفلورايد، وأفضل الأوقات بعد الإفطار وقبل النوم. فالفلورايد يقوّي المينا ويساعد على إعادة تمعدنها ويقلل التسوس بصورة موثقة. وتفريش ما قبل النوم هو الأهم، لأن إفراز اللعاب الواقي يقل أثناء النوم فتزداد حاجة الأسنان إلى الحماية.

واستعمل فرشاة ذات شعيرات ناعمة أو متوسطة وبضغط خفيف، ووجّه الشعيرات بزاوية نحو خط اللثة، وحرّكها بحركات دائرية قصيرة لطيفة بدل الحركة الأفقية العنيفة التي قد تسبب انحسار اللثة وتآكل عنق السن. ونظّف الأسطح الخارجية والداخلية والماضغة، ولا تنس اللسان لأنه يحتفظ ببكتيريا مسؤولة عن كثير من روائح الفم. وغيّر الفرشاة كل ثلاثة أو أربعة أشهر أو عند تفرق شعيراتها.

وأما الفراغات بين الأسنان فلا تصل إليها الفرشاة، وتشكل نسبة كبيرة من أسطح الأسنان تقارب أربعين بالمئة بحسب بعض الجهات، ولذلك ينصح الأطباء بتنظيفها يوميًا بالخيط أو بالفرش البينية الصغيرة أو بجهاز مياه الدفع بحسب ما يناسبك. وإن كان استعمال الخيط صعبًا عليك فاسأل طبيبك عن البدائل، فالأفضل هو ما ستواظب عليه فعلًا.

كيف يؤثر تكرار تناول السكر والمشروبات الحمضية في أسنانك أكثر من كميته؟

لا يهم عدد الملاعق من السكر بقدر ما يهم عدد المرات التي تتعرض فيها أسنانك له. فكل مرة تتناول فيها شيئًا سكريًا تنخفض حموضة الفم ويبدأ هجوم الحمض على المينا لمدة تقارب نصف ساعة قبل أن يعود الفم إلى توازنه بفعل اللعاب. ولذلك فالرشف المتواصل من مشروب محلى طوال ساعات، أو مضغ الحلوى ببطء على مدار اليوم، أسوأ من تناول الكمية نفسها دفعة واحدة مع الوجبة.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بتخفيض السكريات الحرة إلى أقل من عشرة بالمئة من الطاقة، وبأقل من خمسة بالمئة لفوائد إضافية، وقد شرحنا ذلك في مقال سابق. وإلى جانب السكر، تسبب المشروبات الغازية وعصائر الحمضيات ومشروبات الطاقة تآكلًا كيميائيًا للمينا حتى الخالية من السكر، لأن حموضتها نفسها مضرة. فاشرب هذه المشروبات مع الوجبات بدل الرشف المتواصل، واستخدم المصاصة وأنت تشرب لتقلل ملامستها للأسنان، واشطف فمك بالماء بعدها.

ما علامات أمراض اللثة التي لا ينبغي تجاهلها، ولماذا ترتبط صحة الفم بصحة الجسم؟

انتبه إلى نزيف اللثة عند التفريش أو الخيط، واحمرارها وانتفاخها، ورائحة الفم الكريهة المستمرة، وانحسار اللثة وظهور جذور الأسنان، وارتخاء الأسنان، وظهور فراغات جديدة بينها، وطعم سيئ دائم في الفم. وهذه العلامات تستدعي زيارة الطبيب ولا تُعالج بغسولات الفم وحدها، فهي قد تغطي الرائحة دون أن تعالج السبب.

وتشير الدراسات إلى ارتباط أمراض اللثة المتقدمة بمشكلات صحية أخرى كالسكري وأمراض القلب، فالعلاقة بين السكري والتهاب اللثة تعمل في اتجاهين: السكر غير المنضبط يزيد خطر التهاب اللثة، والتهاب اللثة يصعّب ضبط السكر. وبحسب الأدلة الحالية فإن العلاقة ارتباط لا إثبات سببي في كل الأحوال، لكنها سبب إضافي للاهتمام بفمك، خصوصًا للمدخنين والحوامل ومرضى السكري، فهؤلاء أكثر عرضة لمشكلات اللثة.

متى تزور طبيب الأسنان، وماذا عن الأطفال والحوامل؟

تعتمد وتيرة الزيارة على حالتك، فالأصحاء قليلو الخطر يكفيهم عادة فحص وتنظيف كل ستة أشهر إلى سنة بحسب توصية الطبيب، ومن لديهم تسوس متكرر أو أمراض لثة أو سكري قد يحتاجون زيارات أكثر. ولا تنتظر الألم، فالتسوس المبكر لا يؤلم، والتنظيف الاحترافي يزيل الجير الذي لا تصل إليه الفرشاة المنزلية.

وبالنسبة للأطفال، توصي الجهات المتخصصة بأن يزور الطفل طبيب الأسنان قرب بلوغه عامه الأول أو مع ظهور أول سن، وبأن تُنظَّف أسنانه بمعجون فلورايد بكمية صغيرة جدًا بحجم حبة الأرز عند الصغار ثم بحجم حبة البازلاء بعد سن الثالثة، مع مساعدة الأهل حتى يتقن الطفل التفريش. وللحوامل، فالعناية بالفم مهمة لأن تغيرات الهرمونات تزيد ميل اللثة للالتهاب، وعلاج الأسنان الضروري ممكن وآمن غالبًا ويمكن للطبيب اختيار التوقيت والإجراءات المناسبة.

ما العادات التي تضر فمك وأسنانك دون أن تنتبه، وكيف تتخلص منها؟

التدخين بكل أنواعه، من السجائر والشيشة والتبغ الممضوغ والسجائر الإلكترونية، يسبب تصبغ الأسنان وأمراض اللثة وجفاف الفم ويرفع خطر سرطان الفم. ومن العادات الضارة أيضًا قضم الأظافر أو فتح العبوات بالأسنان أو مضغ الثلج، فهي قد تسبب تشققًا أو كسرًا في الأسنان. ويعاني بعض الناس من صرير الأسنان ليلًا، ويظهر في تآكل الأسنان وآلام الفك والصداع الصباحي، وقد يفيد جهاز واقٍ يصممه الطبيب.

وانتبه إلى أن التفريش الفوري بعد تناول مشروب أو طعام شديد الحموضة قد يزيد من تآكل المينا الطري مؤقتًا، فانتظر نحو نصف ساعة أو اشطف فمك بالماء أولًا، وهي نقطة يختلف عليها المختصون قليلًا. ولا تعتمد على المنتجات «المبيّضة» الخشنة أو الوصفات المنزلية كالليمون والفحم وبيكربونات الصوديوم بكثرة، فقد تخدش المينا، واستشر طبيبك في التبييض الآمن.

أسئلة شائعة عن صحة الفم والأسنان

هل غسول الفم ضروري بعد التفريش؟

ليس ضروريًا لمعظم الأصحاء، فالفرشاة والخيط هما الأساس. وقد يفيد الغسول في حالات محددة بتوصية الطبيب، كالتهاب اللثة أو ارتفاع خطر التسوس، ولا ينبغي أن يحل محل التنظيف الميكانيكي.

هل الفرشاة الكهربائية أفضل من اليدوية؟

قد تساعد بعض الناس على التنظيف بصورة أفضل بسبب حركتها المنتظمة ومؤقتها، لكن الفرشاة اليدوية تؤدي الغرض إذا استُعملت بالطريقة الصحيحة. والأهم هو الانتظام وحسن الأسلوب.

ماذا أفعل إذا شعرت بألم أو حساسية في سن؟

لا تتجاهل الألم المستمر أو الحساسية الشديدة أو التورم، فراجع طبيب الأسنان بسرعة، وإن ترافق التورم مع حمى أو صعوبة في البلع أو الانتفاخ في الوجه فتلك حالة طارئة. وهذا المقال معلومات عامة ولا يغني عن فحص الطبيب.