
مسحوق بنكهة التوت يعدك ببشرة أنضر، وأقراص «الشعر والبشرة والأظافر» تعد بثلاثة أشياء في عبوة واحدة، ومشروب مثلج يعلن أنه «يعيد ما فقدته من الكولاجين». ومن النادر أن تتصفح وسائل التواصل أسبوعًا دون أن ترى مؤثرة تقسم بأن بشرتها تغيرت بعد شهر. لكن صناعة المكملات الجمالية تضخمت أسرع بكثير من الأدلة التي تدعمها، ومعظم ما يُقال في الإعلانات يتجاوز ما أثبتته التجارب. وفي هذا المقال نعرض الصورة كما هي: ما الكولاجين وهل يصل إلى بشرتك فعلًا، وماذا قالت أحدث المراجعات العلمية، وما حكاية البيوتين والفيتامينات الأخرى، وأخطار قد لا تخطر ببالك، وكيف تتصرف إن قررت التجربة رغم كل ذلك.
ما الكولاجين وماذا يحدث له مع التقدم في العمر، وهل يصل ما تتناوله إلى بشرتك؟
الكولاجين بروتين بنيوي يشكل الجزء الأكبر من نسيج الجلد والأوتار والغضاريف والعظام، وهو الذي يمنح الجلد قوته وتماسكه. ويقل إنتاج الجسم له تدريجيًا مع التقدم في العمر، ويتلف أسرع بتأثير الشمس والتدخين. ومن هنا نشأت فكرة منطقية في ظاهرها: إن كان الكولاجين ينقص فلنتناوله.
لكن المشكلة أن الكولاجين المتناول يُهضم كغيره من البروتينات، فيتفكك إلى أحماض أمينية وببتيدات صغيرة، ولا يذهب «كما هو» إلى الوجه. وتقترح بعض الأبحاث أن بعض الببتيدات الناتجة قد تحفز خلايا الجلد على إنتاج كولاجين، وهذه فرضية معقولة لكنها لا تكفي وحدها دليلًا على أن المكمل يُحسّن شكل البشرة. فالأدلة على الفائدة تأتي من تجارب سريرية، وهنا تبدأ التعقيدات.
ماذا تقول المراجعات العلمية عن مكملات الكولاجين للبشرة، ولماذا تتناقض النتائج؟
جمعت مراجعة منشورة في مجلة «نيوترينتس» عام 2023 ست وعشرين تجربة عشوائية شملت 1721 مشاركًا، ووجدت تحسنًا معتدلًا في ترطيب الجلد ومرونته مقارنة بالدواء الوهمي. لكنها نبهت إلى أن كثيرًا من التجارب قصيرة، تتراوح بين ثمانية واثني عشر أسبوعًا، وممولة من شركات صناعة المكملات. وفي عام 2025 نشرت «المجلة الأمريكية للطب» تحليلًا لثلاث وعشرين تجربة عشوائية، رأى أن النتائج الإيجابية تتركز في الدراسات الممولة من الصناعة والأدنى جودة، وأن الدراسات الأعلى جودة أو غير الممولة من الشركات لم تُظهر فائدة واضحة، وخلص إلى أنه لا يوجد حاليًا دليل سريري كافٍ على فائدتها للوقاية من شيخوخة الجلد أو علاجها.
وردّت جهات صناعية على هذا الاستنتاج بأن الدراسات الممولة منها ليست بالضرورة أقل جودة. والخلاصة الأمينة أن الأدلة غير حاسمة: هناك إشارة إلى فائدة محدودة في بعض التجارب، لكنها تضعف حين تُنتقى الدراسات الأقوى والأكثر استقلالًا. ولذلك فالموقف المتوازن أن الكولاجين ليس «حلًا سحريًا» ولا «خدعة مؤكدة»، بل مكمل غير مثبت الفائدة بدرجة تبرر الإنفاق الكبير عليه.
ما حكاية البيوتين وفيتامين سي وبقية الفيتامينات التي تُسوَّق للجمال؟
يُسوَّق البيوتين، وهو من فيتامينات ب، على أنه علاج لتساقط الشعر وهشاشة الأظافر. لكن الأدلة تدعم فائدته فقط لمن لديه نقص مثبت فيه، والنقص نادر عند من يأكل طعامًا متنوعًا. وفضلًا عن ذلك، حذّرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في 2017 ثم حدّثت تحذيرها في 2019 من أن تناول جرعات عالية من البيوتين قد يتداخل مع نتائج بعض التحاليل المخبرية، ومنها اختبار التروبونين الذي يُستعمل لتشخيص النوبة القلبية، فيعطي نتائج خاطئة. ولهذا أخبر طبيبك دائمًا إن كنت تتناوله قبل أي تحليل دم.
وفيتامين سي ضروري لتكوين الكولاجين في الجسم، فنقصه الشديد يسبب مرض الاسقربوط، لكن من لا يعاني نقصًا لن يحصل على بشرة أفضل بجرعات أكبر، وأغلب الناس يحصلون عليه من الفواكه والخضار. وكذلك فيتامين هـ والزنك والسيلينيوم وفيتامين أ، فالقدر الكافي منها يأتي عادة من الغذاء، وفوائدها الجمالية في غياب النقص غير مثبتة. والزيادة ليست دائمًا خيرًا، كما سنرى.
ما المخاطر الخفية في المكملات الجمالية المركبة والمنتجات غير الموثوقة؟
كثير من المكملات الجمالية خلطات تضم عشرات المكونات بجرعات غير معلومة الأثر، وبعضها يضم مكونات إضافية كحمض الهيالورونيك ومضادات الأكسدة والإنزيم المساعد كيو10 وكبريتات الكوندرويتين. ولا تخضع المكملات عادة لمراجعة الفعالية قبل طرحها، وتختلف شدة الرقابة من بلد لآخر. فقد تكون مكوناتها مختلفة عما على العبوة، أو تحتوي على ملوثات كالمعادن الثقيلة.
ومن مخاطر الإفراط: فيتامين أ بجرعات عالية قد يسبب تسممًا وعيوبًا خلقية عند الحوامل، والزنك الزائد يخل بامتصاص النحاس، والسيلينيوم بجرعات كبيرة يسبب تساقط الشعر نفسه الذي أردت علاجه. وقد يتفاعل بعضها مع الأدوية، وبعض مصادر الكولاجين البحرية قد تثير حساسية لدى من لديهم حساسية من الأسماك. وإن كنت حاملًا أو مرضعًا أو تتناول أدوية أو لديك مرض مزمن فاستشر الطبيب قبل أي مكمل. وللمنتجات غير المسجلة والمباعة عبر مواقع التواصل خطر أكبر، فتجنبها.
ما الوسائل الأقوى دليلًا لتحسين مظهر البشرة بدل المكملات؟
أقوى ما تعرفه الأبحاث حتى الآن ليس في العلب بل في العادات: حماية يومية من الشمس بواقٍ واسع الطيف، والامتناع عن التدخين، وروتين بسيط يتضمن مرطبًا وريتينويدًا مناسبًا، وقد فصّلنا ذلك في مقالات سابقة. وللتغذية دور داعم، فتناول بروتين كافٍ وخضار وفواكه غنية بفيتامين سي وأسماك ومكسرات وزيت زيتون يوفر للجسم ما يحتاجه لبناء الكولاجين ويحمي البشرة بصورة أعم.
وعادات النوم والتحكم في التوتر والحركة المنتظمة تدعم مظهر البشرة وصحتها، دون أن تحمل مخاطر المكملات. وإن كانت لديك مشكلة محددة، كتساقط شعر ملحوظ أو أظافر هشة جدًا أو جفاف مستمر، فالأفضل أن تفحص الأسباب الطبية كنقص الحديد أو اضطراب الغدة الدرقية قبل أن تشتري أي مكمل، فعلاج السبب أنفع من تغطية العرض.
كيف تقيّم الإعلان وتتصرف بحذر إن قررت تجربة الكولاجين؟
اسأل أسئلة بسيطة عن أي منتج: هل تقوم ادعاءاته على تجارب منشورة؟ ومن مولها؟ وما مدتها وعدد المشاركين فيها؟ وهل المنتج المباع هو نفسه الذي اختُبر؟ واحذر من العبارات القاطعة مثل «يعيد الكولاجين المفقود» و«يلغي التجاعيد»، ومن الشهادات الشخصية التي لا تثبت شيئًا، ومن المؤثرين الذين يتقاضون أجرًا. وانتبه إلى أن التحسن الذي تلاحظه قد يكون من تغييرات أخرى أجريتها في الوقت نفسه.
وإن قررت التجربة بعد استشارة الطبيب، فاختر منتجًا من جهة معروفة ذات اختبارات طرف ثالث إن أمكن، وتحقق من مصدر الكولاجين، بقريًا أو بحريًا أو غيره، ومن الشهادات المطلوبة لديك، وابدأ دون خلطات متعددة، وحدد مدة ثلاثة أشهر ثم قيّم النتيجة بصور قبل وبعد في الإضاءة نفسها. فإن لم تلحظ فرقًا فتوقف ولا تستمر لمجرد أنك دفعت ثمن العلبة.
أسئلة شائعة عن الكولاجين والمكملات الجمالية
هل الكولاجين مفيد للمفاصل والعظام أيضًا؟
تشير بعض الدراسات إلى فائدة محدودة في آلام المفاصل، لكن الأدلة متفاوتة وتحتاج إلى مزيد من البحث، وقد ناقشنا ذلك في مقال صحة العظام. وليس بديلًا عن التمارين وضبط الوزن.
هل كريمات الكولاجين تعوض نقصه في الجلد؟
جزيء الكولاجين كبير ولا يخترق الجلد بسهولة، فتأثير الكريمات المحتوية عليه ترطيبي سطحي في الغالب. والمكونات الأقوى في الكريمات لتحفيز الكولاجين هي الريتينويدات.
هل أتناول الكولاجين إن كنت أتبع نظامًا غذائيًا غنيًا بالبروتين أصلًا؟
أنت تحصل على بروتينات متنوعة تدعم الجسم من غذائك، والمكمل لن يضيف ميزة مؤكدة. وهذا المقال معلومات عامة ولا يغني عن استشارة الطبيب أو الصيدلي، خصوصًا إن كنت تتناول أدوية أو تعاني من حساسية.
0 تعليقات