تصحو وتجلس لتناول الإفطار، ثم تجلس في السيارة، ثم تجلس إلى مكتبك ثماني ساعات، ثم تعود فتجلس في السيارة، ثم تجلس أمام التلفاز، وقد تجري نصف ساعة في المساء وتشعر أنك «عوّضت». لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن الجلوس الطويل عامل خطر مستقل بحد ذاته، وأن ساعة من الرياضة لا تمحو بالضرورة أثر عشر ساعات متواصلة دون حركة. ولذلك أضافت منظمة الصحة العالمية في إرشاداتها لعام 2020 توصية صريحة بالحد من السلوك الخامل إلى جانب توصيات النشاط البدني. وفي هذا المقال نشرح ما الذي يفعله الجلوس بجسمك، وهل تعوضه الرياضة، وكيف تكسره بحركات صغيرة تناسب يوم عملك، دون أن نكرر ما قلناه عن آلام الظهر في مقال سابق.

ما المقصود بالسلوك الخامل، وكم ساعة يجلس معظمنا فعلًا؟

السلوك الخامل هو أي نشاط يؤدى في وضعية الجلوس أو الاستلقاء ويستهلك طاقة قليلة جدًا أثناء اليقظة، كالجلوس في المكتب أو السيارة أو أمام الشاشات. وهو لا يعني قلة الرياضة، فقد يمارس شخص ما التمرين ثلاثة أيام أسبوعيًا ويظل مع ذلك يقضي أغلب يومه جالسًا. فهما سلوكان متمايزان يمكن أن يجتمعا في الشخص نفسه.

وتشير الدراسات في بلدان كثيرة إلى أن البالغين يقضون ما بين ست وتسع ساعات يوميًا جالسين في المتوسط، وتزيد في أصحاب الأعمال المكتبية وسائقي المسافات الطويلة والطلاب. وقد ازداد الجلوس مع انتشار العمل عن بعد والترفيه الرقمي. ولذلك فإن أول خطوة هي أن تدرك حجم ما تجلسه فعلًا، وتحسبه ليوم أو يومين بساعة أو تطبيق يقيس ذلك.

ماذا يفعل الجلوس المتواصل بسكر الدم والدهون والدورة الدموية والعضلات؟

عندما تقف أو تمشي تعمل عضلات الساقين والجذع وتستهلك الجلوكوز والدهون من الدم. وعند الجلوس الطويل تقل هذه العملية، فيبطئ استعمال السكر وترتفع نسبته بعد الوجبات، وقد يتراجع نشاط الإنزيمات المسؤولة عن تكسير الدهون، وهو ما يرتبط على المدى الطويل بمقاومة الإنسولين وارتفاع الدهون الثلاثية. كما أن قلة حركة الساقين تبطئ تدفق الدم فيها، وتتجمع السوائل وقد تتورم القدمان.

وتربط الدراسات الرصدية الجلوس الطويل بزيادة خطر السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية وبعض السرطانات والوفاة المبكرة، وتشير إلى ارتباطه كذلك بتراجع المزاج. ويجب الانتباه إلى أن هذه الدراسات تبين ارتباطًا وليس سببية قاطعة، وأن الأشخاص الذين يجلسون كثيرًا قد يختلفون في عادات أخرى. غير أن الاتجاه العام متسق مع الفهم الفسيولوجي، وهو أن الجسم صُمم ليتحرك.

هل تعوض الرياضة اليومية آثار الجلوس الطويل أم لا؟

الإجابة المختصرة: تخفف الرياضة جزءًا من الضرر لكنها لا تلغيه تمامًا، خاصة إذا كان الجلوس طويلًا جدًا. فقد وجد تحليل كبير نُشر في مجلة «لانسيت» عام 2016 أن الأشخاص الذين يمارسون نحو ستين إلى خمسة وسبعين دقيقة من النشاط متوسط الشدة يوميًا بدا أنهم يخفضون كثيرًا من خطر الوفاة المرتبط بالجلوس لثماني ساعات. لكنه رصد ارتباطًا ولا يثبت علاقة سببية، والمدة المذكورة تفوق ما يمارسه أغلب الناس.

والخلاصة العملية أن تجمع بين الأمرين: حافظ على الحد الأدنى من النشاط الأسبوعي الذي توصي به المنظمة، وهو 150 إلى 300 دقيقة من النشاط المتوسط، وقلل في الوقت نفسه من ساعات الجلوس المتواصلة. فالرياضة تعمل على تحسين اللياقة والقلب، وكسر الجلوس يحسن استجابة السكر والدهون خلال اليوم. وكلاهما مكمل للآخر وليس بديلًا عنه.

كيف تكسر الجلوس بحركات قصيرة تتكرر خلال اليوم دون أن تعطل عملك؟

أظهرت تجارب قصيرة أن الاستراحات الحركية الخفيفة، كالوقوف أو المشي دقيقتين إلى خمس دقائق كل نصف ساعة، تحسّن استجابة السكر والإنسولين بعد الوجبات مقارنة بالجلوس المتواصل. ولذلك فالقاعدة المقترحة: قم من مكانك كل نصف ساعة أو ساعة على الأكثر، حتى لو لدقيقة. اضبط منبهًا على هاتفك، أو ربط الحركة بحدث معين كإنهاء مكالمة أو إرسال بريد.

ومن الأفكار العملية: اشرب الماء بكوب صغير فتضطر إلى القيام لتعبئته، واستعمل دورة المياه والطابعة الأبعد، وأجرِ مكالماتك واقفًا أو ماشيًا، واعقد اجتماعات المتابعة القصيرة أثناء المشي، وتحدث مع زميل شخصيًا بدل إرسال رسالة. وفي المنزل، تمشَّ بضع دقائق بعد الوجبات، فالمشي الخفيف بعد الأكل يساعد على خفض ارتفاع السكر. وليست الحركات المعقدة هي المهمة، بل تكرار الحركة البسيطة.

ماذا عن الجلوس خارج العمل: التلفاز والسيارة والهاتف والمناسبات؟

يقضي كثيرون ساعات الجلوس الأطول مساءً أمام التلفاز أو الهاتف، وهو جلوس يُصاحب عادة بأكل خفيف عالي السعرات. ويمكن تقليله بتغييرات بسيطة: اجعل مشاهدة الحلقات بالتناوب مع الوقوف أو التمدد أو طي الغسيل أو المشي في المكان خلال الإعلانات أو بين الحلقات، وحاول ألا يبقى كل ما تحتاجه من ماء ووجبات خفيفة وجهاز تحكم عن بعد في متناول يدك، حتى تضطر إلى القيام بين وقت وآخر.

وفي السيارة، اركن بعيدًا عن الباب وامشِ، وإذا كنت تسافر لمسافة طويلة فتوقف كل ساعتين تقريبًا لتتحرك وتتمدد، فهذا يحمي الدورة الدموية في الساقين ويقلل الإجهاد. وفي المناسبات والزيارات العائلية التي تقضي فيها ساعات جالسًا، اعرض المساعدة في الخدمة أو اصطحب الأطفال في نزهة قصيرة بعد الطعام. وهذه اللحظات الصغيرة تتراكم لتصنع فرقًا كبيرًا في مجموع جلوسك.

هل يحل مكتب الوقوف المشكلة، وما الأخطاء الشائعة عند استعماله؟

مكاتب الوقوف أداة مفيدة لكنها ليست حلًا سحريًا. فالوقوف الثابت الطويل يتعب القدمين والظهر وقد يسبب دوالي أو آلامًا في الساقين، وفائدته في حرق الطاقة صغيرة نسبيًا. والفائدة الحقيقية تأتي من التنقل بين الوضعيات: الجلوس والوقوف والمشي، وتغيير الوضع كل نصف ساعة تقريبًا. فإن كان مكتبك قابلًا للتعديل فاستعمله بهذه الطريقة، وإن لم يكن فالحركة القصيرة المتكررة تؤدي الغرض.

ومن الأخطاء أن تعتمد على «التمرين الكبير» مساءً وتجلس بقية اليوم، أو أن تقف دون حركة ثم تشعر بالإجهاد فتترك الفكرة، أو أن تشتري مكتبًا مكلفًا دون أن تغير عاداتك. وابدأ بما هو أبسط: منبه كل نصف ساعة وكوب ماء صغير. وإن كنت تعاني من دوالي أو آلام مفاصل أو مشكلات قلبية فاستشر الطبيب بشأن مقدار الوقوف والمشي المناسب لك.

أسئلة شائعة عن الجلوس الطويل

هل الجلوس على كرسي مريح أقل ضررًا من الجلوس على كرسي عادي؟

الضرر مرتبط بقلة الحركة وليس بنوع الكرسي. فالكرسي المريح يخفف آلام الظهر لكنه لا يعالج آثار الجلوس الطويل على السكر والدورة الدموية.

كم دقيقة حركة كل ساعة تكفي؟

لا يوجد رقم واحد مجمع عليه، لكن دراسات قصيرة أظهرت فائدة لاستراحات من دقيقتين إلى خمس كل نصف ساعة. ويمكنك ضبط الأمر بحسب طبيعة عملك، والمهم أن تتكرر الحركة.

هل يختلف الأمر لدى كبار السن؟

كبار السن أكثر حاجة إلى الحركة المنتظمة لحماية العضلات والتوازن، وتشمل إرشادات المنظمة توصيات خاصة لهم. وهذا المقال معلومات عامة، فإن كنت تعاني من حالة صحية مزمنة فاستشر الطبيب قبل تغيير مستوى نشاطك.